الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
92
نفحات الولاية
أغلبها وهو تصريحها بأنّ الزبد أول شيء ظهر على الماء ثم انبعث منه البخار أو الدخان الذي كوّن السماوات . « 1 » ولكن وكما أوردنا آنفاً فإنه ليس هنالك من تضارب بين هذه العبارات ، لأنّ المادة الأولى على الأقوى كانت عبارة عن غازات مائعية مضغوطة يصدق عليها وصف الماء والبخار والدخان بالنظر لمراحلها المختلفة . والجدير بالكذر هنا هو أنّه ليس هناك من تضاد بين الروايات التي صرّحت بأنّ أول ما خلق اللَّه الماء ، أو الشيء الأول الذي خلقه اللَّه كان نور النبي صلى الله عليه وآله أو العقل ؛ وذلك لأنّ بعض الروايات تحدثت عن خلق عالم المادة بينما تحدث البعض الآخر عن خلق عالم المجردات والأرواح . كما يتبيّن عدم وجود التناقض بين ما أوردناه من مضامين الروايات وما صرّحت به الآية 11 من سورة فصلت التي قالت : « ثم استوى إلى السماء وهى دخان » . 3 - الفرضيات السائدة بشأن العالم أبان نزول القرآن الطريف أنّه كانت هناك نظريتين بشأن ظهور العالم في الوسط الذي نزل فيه القرآن - أو بعبارة أدق في العصر الذي نزل فيه القرآن - : الأولى نظرية « بطليموس » التي سادت المحافل العلمية لخمسة عشر قرناً واستمرت حتى أواخر القرون الوسطى . وعلى ضوء هذه النظرية فانّ الأرض كانت مركز العالم وتدور حولها تسعة أفلاك ؛ وهى أفلاك تشبه الأغطية البصلية وشفافة وبلورية ومتراكمة بعضها ، وكان كل كوكب سيّار ( عطارد ، الزهرة ، المريخ ، المشتري وزحل ) في فلك ، كما كان لكل من الشمس والقمر فلكهما . وإضافة إلى هذه الأفلاك السبع ، هناك فلك يرتبط بالكواكب الثابتة ( المراد بالكواكب الثابتة هي تلك الكواكب التي تطلع معاً وتغرب معاً دون أن تغير مواقعها في السماء بخلاف الكواكب الخمس التي ذكرناها ) . وبعد الفلك الثامن ؛ أي فلك الثوابت هناك فلك الأطلس الذي ليس له أي كوكب ، امّا مهمته فهي
--> ( 1 ) للوقوف على هذه الروايات ، انظر 3 / 10 و 57 من بحار الأنوار ، طبعة بيروت . وردت أغلب الأحاديث في ج 57 .